وضَعُفت الحركات الإسلامية في نصرة غزة

By mustafaweb

بقلم سلامة عطاالله

حصار غزة الذي يتغذى في استمراره على التواطؤ العربي، لا يختصر أزمة النظام الرسمي فحسب، بل يتجاوز ذلك، ليضع في دائرة التساؤلات الجدية، حجم وثقل فعل الحركات الإسلامية على امتداد العالم الإسلامي، لرفع الحصار العنصري عن قطاع غزة.

وحتى لا نبخس الحركات الإسلامية جهودها، نشيد بتفاعلها مع معاناة الفلسطينيين، وتسييرها لجموع المناصرين في تظاهرات تهتف لغزة، وتندد بالظلم الواقع عليها، لكن المحصلة تفيد بأن ما بذل بقي محدود الانتشار والتأثير، وعبر عن جذوة سرعان ما تخمد نفسها، بدل أن تتقد باتجاه مراكمة الإنجازات وتصعيد التحركات الضاغطة على المواقف الرسمية، لثني زحفها الهارب نحو مزيد من الإذعان للمساومات الأمريكية.

البلاء الذي عم العالم الإسلامي؛ وأدى إلى تصلّب شرايين الهوامش المتاحة للتعبير فيه بحريةٍ، وذكاء واشنطن في مؤازرة حلفائها في إدارة مخططات لاحتواء وتفريغ أي تحركات شعبية في المربع الإسلامي؛ إذا ما بدأت تشكل خطرا ملحوظا على مصالحها، وتعامل القريب والبعيد مع حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية بعدائية تتضمن رسالة زجرية مفادها: أن لا مكان للحركات الإسلامية في التدافع السياسي السلمي في بلادها؛ وما تبع هذه الرسالة من إجراءات قمعية تكرس مضمونها, وفيما ورد أسباب موضوعية تقف خلف تبهيت إسهامات الحركات الإسلامية لكف الأذى عن المحاصرين في غزة.

ومع ذلك..لا تُعفى الحركات الإسلامية من اللوم إزاء تشتت الجماهير التي تقف مع الحق الفلسطيني، نتيجة غياب تنسيق المواقف، وتوزيع الأدوار بين الحركات الإسلامية في الأقطار المختلفة، وكذلك بينها وبين الحركات القومية والتيارات الوطنية في القطر الواحد، وعدم مغادرة الطرق النمطية في استقطاب واستثمار العواطف ورغبة الشعوب في البذل والمساندة، والمسؤولية تمتد لتطال تقصير تلك الحركات، في معالجة أزمة الوعي الشعبي عن صورة الأخطار القائمة والقادمة، وتَعمُّق أنانية النزعة القطرية، وانزواء مفاهيم الأمة والقومية والجماعة، والأخطر من ذلك كله تسلل هذه النزعات داخل مكونات الحركات الإسلامية، تحت تبريرات تقول باستحالة الجمع عمليا بين نصرة فلسطين، واستشراء الاستبداد والتبعية في البلدان الإسلامية، وأن التركيز على الهموم المحلية وإصلاح النظم مقدمة منطقية لنصرة فلسطين.

كلام فيه من الصواب ما يقنع، إذا ما وضعناه في سياقه الإستراتيجي بعيد الأمد، أما فيما يتصل بحصار غزة، كحالة تستوجب حلا عاجلا وملحا، فالأولوية يفترض أن تكون لإيجاد صيغة تستجيب لمهمة إنقاذ القطاع، بأقل الخسائر، في ظل واقع حدة العلاقة بين الحركات الإسلامية وحكومات بلادها ومحيطها، فإذا كان النظام الرسمي عاجزا عن الخروج من الفلك الأمريكي بشأن الحصار، كان الأجدى وعوضا عن الاكتفاء بالدعوات المطالبة للحكومات للقيام بما عليها من واجب صد القيود والضغوط، أن تكثف الحركات الإسلامية بالتعاضد مع غيرها، من التحركات الجماهيرية السلمية، وتُعظّم من وسائل رفع الصوت الرافض للحصار، وتُعولم المزاج الغاضب من استمرار الصمت على القتل المقصود، كآليات تساعد على إلجاء الغرب للتفكير مجددا وتحت ضغط الجماهير، بمآلات مصالحه في المنطقة، وتضطره لرفع الغطاء عن الحصار، وبذا تحقق الحركات الإسلامية، من إبراز فعاليتها في استمالة الرأي العام فائدة إضافية لتؤكد للغرب الذي يراقب ويرصد، بأنه لا يمكن الاستغناء بالأنظمة وحدها في التعاطي مع قضايا المنطقة، وبأنها قوة أساس تستطيع أن تمنع وتمنح.

صحيح أن المؤسسات الدينية كمرجعيات فقهية وتعبوية، ألحقت بالنظم، وأُضعفت بنيويا ووظيفيا، لكن العمل الإسلامي توانى أيضا، عن تشكيل هيئات دينية خارج النظام الرسمي، لتهتم بقضايا الأمة، وتعيد للعلماء دورهم المسلوب في التوجيه وصناعة التغيير، فمن غير المبرر أن تغيب فتاوى واضحة يلتئم حولها العلماء من كل مذهب، لتبيان حكم المحاصَر من المسلمين، وحكم المسلم القادر تجاهه، وحكم من يعيق رفع الحصار قولا أو فعلا، أيضا فقد ضلت النخب الإسلامية طريقها للإعلام العالمي، وانحصرت في القنوات الإسلامية المتخصصة، التي تشبه الإعلام الرسمي في جمود بعضها، ولعلك تلاحظ معي، بأن جلّ من يطل علينا في الفضائيات المهمة، ليتحدث عن فلسطين وقضاياها، (مع كل الإجلال) هم أشخاص مستقلون من غير الحركات الإسلامية، من الذين ملكوا نواصي ضرورات التحليل المتلفز، دون أن يكون لهم رصيد جماهيري منظم وقادر على التحرك السريع، وذلك أثر حتما على فعاليات الحركات الإسلامية في رفع الحصار عن القطاع، بفقدانها قيمتها المنشودة، بالوصول إلى كل عين عبر وسائل الإعلام العالمية.

دائما كانت القضية الفلسطينية وتفريعاتها شعارا ناجحا للحركات الإسلامية في التماهي مع تطلعات الأمة من الإنعتاق، وكنا قبل سنين نتباهى بصحوة إسلامية لصالح الحق الفلسطيني، أما وقد بدا شيء من التراجع، بات ضروريا أن تُراجِعَ الحركات الإسلامية آلياتها في دعمها للقضية المركزية، وأن تحاصر ما صرنا نسمع من أصوات ونقرأ من كتابات، لا هم لها سوى الإيقاع بين الفلسطينيين وعمقهم الإسلامي، وتجريم المقاومة، وتثبيط الأمة، قبل أن تنتقل هذه التصرفات من الحالة إلى الظاهرة في مشهدنا الإسلامي.

اترك رد