بقلم سلامه عطاالله
ليس كافيا أن نمجد بطولاتهم، وأن نشرح معاناتهم لمن أدرك ذلك معايشة، فقد آن أن نولي اهتماما ثاقبا ومن زوايا غير مشبعة لقضية أسرانا في سجون الاحتلال، استجابة لما تفرضه علينا الفلسفة المبتكرة والمتجددة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية في تعاطيها مع الاعتقال، من حيث المبدأ والآليات والأهداف، وقبل أن أضيء محورا مهمشا، أبتدئ مذكرا بأن أكثر من ربع الشعب الفلسطيني ممن يقطن في الأراضي المحتلة لعام 1967، قد تعرض للاعتقال، لتلد المخرجات جبالا مؤلمة من الحقائق، تصرخ في وجه من يغيبها تجنبا للحرج، أو رغبة في إبقاء صورتنا ناصعة، وكأن ضرورات صناعة السمعة الطيبة تعفينا من تقويم الخلل، ومعالجة السقطات، فكم هم الأسرى الذين خرجوا من سجون الاحتلال وشكلوا عبئا على الحركة الوطنية، بريادتهم لمسلسل التنازلات أو تكريسهم له واقعا، وكم هم الذين شاطت بهم الأهواء والمزاجات، فروجوا لاجتهادات غريبة عن القيم الثابتة للعمل الوطني، ولماذا لا نرى اهتماما بالنتائج المروعة لحملات الاعتقال التي استهدفت أعدادا كبيرة وبمواصفات مدروسة من الشباب، لا لنضال ولا لموقف، وإنما كمحاولة للإسقاط في شرك العمالة، وأين التنظيمات الفلسطينية من تحصين مجتمعها، حتى لا تتركه يصارع ترسانة الذكاء الاستخباراتي المجبول على زعزعة النفسيات، بإلمام واسع لمداخل النفاذ إليها، أولم تهزنا حقيقة أن أكثر من تسعين بالمائة ممن أدلوا باعترافات داخل السجون الإسرائيلية، تجاوزوا مرحلة التعذيب الجسدي بسلام، ليسقطوا بعد ذلك في غرف العار(العصافير) وغيرها من المصائد التي ليس لها آخر، وحتى لا نغرق في التوصيف وإن كان ضروريا لتشخيص الداء، فإنني أسجل بعض ما يمكن أن يغالب أدوات هدر معنويات الأسير الفلسطيني، ويقي من السقوط المحتمل لمن لم يخض تجربة اعتقالية:
- تعميق البرامج الإذاعية المخصصة للأسرى، وتدعيمها برسائل تسهم في إشعارهم بالاهتمام، لتثبيت عزيمتهم، وفق دراسات نفسية تراعي أساليب السجان في كسر الإرادة، وغرس الانهيار الهادف.
- اهتمام البرامج الإذاعية الموجهة للأسرى، بتمتين العلاقة الأخوية بين كافة مكونات الطيف الفلسطيني للحركة الأسيرة، لتعزيز قواعد التفاعل الإيجابي الآمن.
- رصد ونشر الحيل والخدع النفسية الذي يلجأ إليها الأمن الإسرائيلي في انتزاع الاعترافات أو التوريط الأخلاقي والأمني، وسبل الوقاية منها.
- تعميم الوعي الأمني فيما يتصل بمراحل الاعتقال وحيثياته، ليشمل كافة فئات وطبقات الشعب الفلسطيني، دون قصره على المؤطرين في التنظيمات الفلسطينية، باستثمار المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية، على اعتبار أن الجميع معرض للاعتقال، وأن الإلمام بما يكفى من وعي واجب ومسؤولية وطنية.
- تثقيف ذوي الأسرى حول الطرق المثلى للتعامل مع أبنائهم داخل المعتقلات، وكيفية إراحة الأسير نفسيا، بتمرير ما يعينه على الاطمئنان لسير حياة أحبته، سيما الأسرى المتزوجين.
- توثيق ونشر تاريخ الحركة الأسيرة وتراثها وإنتاجاتها الأدبية والعلمية المتعددة، وتكريم الأسرى المبدعين في المجالات المختلفة، استمرارا لتواصل الأسير مع مجتمعه، وحفاظا على حقه في أداء دوره بما يملك.
أبلسة الاحتلال في تقويض العمل الوطني الفلسطيني بالاعتقال والإسقاط، ترافقها حملة إعلامية خارجية لتشويه سمعة الأسير الفلسطيني بإلباسه عباءة الإجرام، والتحايل على المؤسسات الدولية الحقوقية لإبعادها عن دورها المفترض في الرقابة وحماية حقوق الأسير، وتجريد الفلسطينيين من أدوات تسخير الضمير العالمي للدفاع عن حقوق معتقليهم، أو تحسين ظروف أسرهم، وفي مواجهة ذلك يتطلب العمل أولا: توحيد مواقف الأطراف الفلسطينية من قضية الأسرى في خطابها للخارج، إن لم يكن من أجل الإفراج عن الأسرى، فعلى الأقل، لإيجاد ما يساعدنا على لجم تكاثر الانتهاكات السافرة التي تدفع بالأسير إلى الانهيار أو الضعف، ووضع المؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها، بعد أن باتت تستسهل استقبال الأسرى في توابيت، وهنا أيضا أورد بعض ما يمكن القيام به لتدويل وتفعيل القضية:
- تشجيع الشخصيات والمؤسسات الحقوقية المناصرة، لتتولى مخاطبة المحاكم الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، في سبيل استصدار أحكام قضائية تدين سلوك الاحتلال في تعامله مع الأسرى الفلسطينيين، أو تجبره على تعديل قوانينه الجائرة والتي تتنافى والقانون الدولي واتفاقية جنيف.
- رفع تقارير دورية للجهات الدولية المعنية عن معاناة الأسرى الفلسطينيين، توضح تعمّد الاحتلال في انتهاك حقوق الأسير على كافة المستويات.
- تفعيل الجاليات العربية والفلسطينية في الخارج، وحثها لإقامة معارض وتظاهرات في الدول التي تقيم فيها، للتعريف بمعاناة الأسير الفلسطيني.
- إنشاء مواقع الكترونية بلغات متعددة، تخاطب الرأي العام العالمي، لوضعه في صورة ما يقاسيه الأسير الفلسطيني وعائلته.
- إنتاج أعمال إعلامية باللغات الأجنبية، والتواصل مع الصحفيين عبر العالم، وتزويدهم بالمواد المتوفرة عن الانتهاكات بحق الأسرى وعائلاتهم.
- القيام على مشروع يتيح التواصل المباشر بين عائلات الأسرى، وعائلات أخرى عبر العالم (توأمة)، واستثمار ذلك في تحشيد مناصرين خارج فلسطين، لإبراز قضية الأسرى بفاعلية، وبعيدا عن النمطية.
- الحرص على اصطحاب عدد من أهالي الأسرى بشكل ممنهج، في جولات السياسيين والبرلمانيين للخارج، وكذلك في لقاءاتهم مع الوفود في الداخل، لنقل صورة حية ومؤثرة عن عذابات الأسرى وذويهم.
بتحصين الداخل الفلسطيني في التصدي لمخططات الاحتلال الساعية للنيل من نضالنا وقيمنا، واستدعاء بعض مقومات ذلك بالعمل على استقطاب الدعم والمناصرة من الخارج، يحملنا للارتقاء بأدائنا في إحباط مسلسل استنزاف الإنسان الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، والتي أرادها المحتل أداة للإفساد والإجهاد، فضلا عن كونها ضريبة النضال المدفوعة أياما وأعمارا.