الناطقون بين ( لعل وعسى!!)
سلامه عطاالله
قد لا ينتبه بعض الساسة والناطقون الرسميون إلى خطورة تبعات ما تحفظه الجماهير من خطابات وتصريحات صادرة عنهم، بعد أن تفرغ الشعب الفلسطيني إلى رصد حركات وسكنات المشهد السياسي، الذي يرتبط عضويا بمصالحه ومعيشته ومستقبله، حتى غدت مفرزات السياسة هي من تحدد نسبة الضحك والبكاء والتهكم والانزعاج والأمل والألم في يوم وليل المواطن الفلسطيني، ولا أكون مغاليا إن قلت بأن السياسة تتحكم في نسب الزواج والطلاق وصلة الأرحام.
منبع الخطورة في (لا شعورية) بعض عناصر الخطاب السياسي الفلسطيني، (ولا معقولية) قسط وفير من الوعود والعهود، التي تتسم بالظرفية والمزاجية وتسكن خارج الواقع، وشاهد ذلك مؤتمرات وتصريحات وخطابات ساستنا التي تعيش مفارقات عجيبة، فتبدأ بتجلية تعقيدات التحديات المفروضة، وتعاظم ضغوطات الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، وضراوة الصراع، وتنتهي بتأكيدات حالمة، بأننا (سوف لن نسمح)،(وبأننا قادرون وبجدارة)، (وسترون حلا عاجلا وقريبا)،(واللقاءات والمشاورات إيجابية وتبشر بخير كثير)،(وأننا وأننا!!)، دون أن يكون لهذا الخطاب رصيدا من الواقعية، أو قابلا للعيش.
نفهم أن للتعبئة والتفعيل والتنظير وتأهيل المعنويات ضرورات تستغني أحيانا عن بعض اعتبارات السياسة، لكنها لا تصل إلى التضحية الكاملة بوقائع ومتطلبات وتوجهات المرحلة، والخطورة الأنكى، أن تتحكم الرغائبية والتقديرات الشخصية لبعض الساسة والناطقين، في لغة الاتصال مع الجماهير المعنية، حتى تصل إلى التناقض جذريا مع ما هو متداول في أروقة صناعة القرار، ويطفو هذا المنطق ويزداد حينما يعيش الشعب إحباطا مركزا جراء تقهقر ثقته بقرب نهاية النفق المظلم، أو يشعر بأن التضحية لا تبدو منتجة كما كان يتمنى، فتنبري الألسنة وتضج المنابر بعبارات تؤهب السامع والرائي لانتظار فرج أدنى من قاب قوسين، وبعد ذلك ينتهي الكرنفال الخطابي، ويترك المواطن معلقا في حبائل الآمال، وبتراكم ذلك يستحكم الإحباط، وتنعدم موثوقية الشعب بقياداته، وتسود ثقافة التشكيك في كل شئ، حتى وإن كان مطلق الصواب.
من يريد التصفيق والإطراء من الساسة والناطقين الرسميين، يلجأ إلى مسالمة المزاج العام، الذي لا شك أنه يرتاح لحظيا وتحت وطأة الانفعال الاحتفالي، لمن يعلي من توقعاته، ويغدق عليه تمجيدا وإكبارا، فتنساب الكلمات في التمنيات، وتترك المهمات بلا إضاءات، لتنكشف بعد ذلك الجماهير في مجابهة الغموض حول التفاصيل العملية، وتعمد لملء الفراغات بتحليلات واجتهادات قد تجافي ما يُصار إليه في السياسات، وينتج عن ذلك انطباعات وتصورات خاطئة، ترتد تغذية راجعة لصندوق صناعة القرار، على شكل مطالبات مضبوطة بما نشأ من انطباعات مستمدة من لغة تمنيات الساسة والخطباء، وليست وليدة قراءات موضوعية لما هو حاصل ومطلوب، فأنْ توطِّنَ الناس بخطاباتك على رؤيتك كحركة مقاومة تنتهج الكفاح المسلح وفقط، يصبح عبثا أن تنتظر منهم معاملتك كسلطة محكومة بنسق إقليمي ودولي أوسع، وبذا تتنافر مطالباتهم ومحددات فعل يزاوج بين السياسة والمقاومة بمقتضياتهما الملزمة.
أمام ما هو متغير ومتسارع، وأمام الاتهامات والسجالات التي لا تنقطع، يلوذ الساسة والناطقون لإعلان المواقف السريعة، وردود الفعل الأولية بغير تَأَنٍّ وبثقة مفرطة، دون تعمق وتفحص وإدراك لكافة الأبعاد، ما يتيح هامشا لمن أراد التسلل في غمرة تزاحم الأحداث، ليستدرج أحد الناطقين بإحداث فرقعة اختبارية هنا أو هناك، لقول ما يمكن أن يضر المصلحة العامة، أو يخدم الجهة المخالفة، وأمثلة ذلك عديدة، وقضية (مؤيد بني عودة) ليست يتيمة، كما أن إطلاق التصريحات غير الناضجة، تفضي إلى تحليلات غير متوازنة من قبل المحللين وأصحاب الرأي، الذين يبنون على ما رشح عن الساسة والناطقين.
الخطاب السياسي غدا مرهونا بجدول المصطلحات التي تجرى على ألسنة المجيشين، واستُنفِدَت شعارات كبرى في محطات عابرة، وأريقت كلمات ذات دلالات ومضامين عميقة(كالنفير العام)، باستسهال استخدامها في غير حاجة أحيانا، وعوضا عن أن تتكامل تصريحات التوجه الواحد حول المسألة الواحدة، تشظت وتباعدت، وهنا لا أعيب التنوع، ولكن أشير إلى التعارض، وأن ما يسمى بتوزيع الأدوار بين الناطقين، فهو في الأصل ليس مطلقا، وإنما مقصور على بعض المحطات، وموجَّهٌ للخارج، أما الداخل فتوزيع الأدوار وتعارض الخطاب فيه يشتت أكثر مما يفيد، وتعدد المرجعيات، تنشئ تجاذبات سلبية في تفاعل الرأي السياسي داخل المكون الواحد، وينسحب ذلك على عموم المشهد الوطني.
بعد عهد من الأحلام السياسية التي بان زيفها، وتآكلت أمام التحديات، صار لزاما على القوى الوطنية أن تستعيد ثقة الجماهير بالتوجهات والقيادات المخلصة، بإعادة إنتاج رسائل اتصالية متوافقة، وخطاب واقعي، يستند إلى المعطيات بلا تهويل، ويبتعد عن مجرد التمنيات، ويسقط سياسة (لعل وعسى) من قواميس المنابر، لنتجاوز خطاب الأزمة، وأزمة الخطاب.